د. عبير سلامـة

ثنائية ( وعي الذات ، الرمز ) في الأدب القصصي

 

4- موهبة النظير فى القصص المجهولة.

ترك يوسف إدريس متفرقات من قصصه، دون نشرها فى مجموعة، برغم أن بعضها لا يقل جودة عن قصص بداياته، كنظرة والنداهة، وبعضها لا يزيد ضعفا عن القصص التى أوردها فى أواخر مجموعاته، مثل (حكاية مصرية جدا) و(سيف يد)([1]). مما يدفع ظن كونه استثناها جميعا لاعتقاده أن مستواها الفنى ضعيف، كما يوحى بذلك حديث الكاتب سليمان فياض عن رفض يوسف إدريس تذكيره بهن، وقوله له "سأقتلك إن جبت لهم سيرة"([2]). ويؤكد هذا التهديد إدراك إدريس لوجود ما يجب أن يخفيه فى هذه القصص، ربما لدلالته الواضحة على مشكلة فى استخدامه اللغة أو تأثره بآخرين.

تقبل كثير من المهتمين بأدب يوسف إدريس استخداماته اللغوية الإشكالية بوصفها ثورة على القطيعة المفروضة بين الأدب وتذوق الشعب له، وتحمسوا بطرق عدة ودرجات متفاوتة لهذه الثورة التى جعلت "مصرنة" القصة سقف طموحها، لكن الحماسة مهما كانت خلفياتها لن تخفى وجود مشكلة حقيقية فى لغة إدريس، وتسفر هذه المشكلة عن وجهها كاملا فيما تم حصره فى هذا الكتاب - بين علامات تنصيص - من قصصه المعدلة والمجهولة، ومن مقالاته وأحاديثه الصحفية، إذ لا يقتصر الأمر على الأخطاء النحوية والإملائية، بل يتجاوزها إلى الأخطاء الأسلوبية فى الصياغة والتصوير.

ولا يتعلق السبب بمستوى تمكنه من اللغة فحسب، إنما يتعلق أيضا بخاصية ذهنية فى مراحل العملية الإبداعية عنده، فخياله الإبداعى نفسه كان خيالا شفاهيا شعبيا، والعقبة التى كان عليه مواجهتها دائما أن التقاليد الأدبية تفرض كتابة مقننة بمواصفات مختلفة، وبدلا من تعديل خاصية الخيال، تحايل إدريس على التقاليد بمكر، فدون - وفقا للمعروف عنه - قصصه باللغة الشفاهية، كما يمكن أن تقص على جماعة من الناس فى مجلس شعبى، ثم ترجمها إلى الفصحى المقننة.([3]) ولأن الترجمة تحتاج إلى إتقان اللغتين ثم التوفيق التعبيرى بينهما، بدا يوسف إدريس بدعوته الحارة للقصة المصرية كمن يرسم لنفسه على الأرض خطا رفيعا، ثم يمشى بصعوبة مترنحا عليه.

أشار إدريس أحيانا إلى نسيانه قصصا كتبها، وتذكره لها بالعثور عليها مصادفة أو لأن صديقا ذكره بها،([4]) وأرجح الظن أنه كان يتذكر هذه القصص، لكن بصورة غير دقيقة، تكاد تشبه النسيان، ولعله توهم قيامه بتغييرها وإعادة نشرها، كما فعل مع غيرها، وخشى أن يظهر من أسرار كتابته ما كان حريصا على إخفائه، وربما احتفظ بها رصيدا لأيام تالية ينشرها باعتبارها إنتاجا حديثا، كما فعل بقصتى: صح والبطل حين ضمهما لمجموعة (اقتلها) الصادرة سنة 1982، من دون الإشارة إلى أن الأولى نشرت فى جريدة المساء عدد 6 أكتوبر 1956، والأخرى نشرت فى مجموعة (البطل) سنة 1957، وهى المجموعة التى قام فيما بعد بتوزيع قصصها على المجموعات التالية.([5])

قبل البدء فى هذه الدراسة حصرت عددا كبيرا من عناوين القصص التى لم تنشر فى مجموعات يوسف إدريس، ثم تناقص العدد بعد تصوير القصص نفسها من الدوريات التى نشرت فيها للمرة الأولى، إذ اكتشفت أن بعضها عناوين مختلفة لنصوص معدلة، مثلما مر فى الفصل السابق.

وبذلك يبلغ عدد القصص المجهولة فى إبداع إدريس إحدى عشرة قصة، المتاح منها حتى الآن تسع قصص، إذ لم أستطع رؤية مصدر القصتين الأخريين، نظرا لضياع أعداد بعض الشهور من جريدة المصرى، الموجودة بدار الكتب. أما قصة (أول الطريق) المنسوبة ليوسف إدريس فهى لمحمد يسرى أحمد،([6]) وبالمثل قصة (الوباء) المنسوبة له وهى ليوسف الشارونى([7])،وليس ثمة وجود لقصة (رجل) التى نسبت له.([8])

قال يوسف إدريس. مقدما إلى قراء جريدة الجمهورية قصة (كاميليا) لمحمد يسرى أحمد: "محمد يسرى أحمد اسم ليس غريبا على قراء القصة والمهتمين بها، فمنذ عشر سنوات، وحين كانت الحركة الأدبية الحالية جنينا لا يزال يبحث لنفسه عن ملامح على صفحات مجلة القصة والنداء والرسالة وقصص للجميع.. كان محمد يسرى احمد من نجوم هذه الحركة اللامعة وأستاذ قصتها الأول. وما أثار الدهشة انه بعد نضج هذه الحركة واكتمالها ووصولها إلى القمة تلفت الناس فلم يجدوا لمحمد يسرى احمد أثرا، ووجدوا مكانه شاغرا أين هو، وماذا يفعل، ولماذا كف عن الكتابة؟

أسئلة لم يكن أحد يستطيع الإجابة عليها. كنت وحدى – تقريبا – اعرف الجواب، واعرف أن قصة صعود يسرى واختفائه تكون فى حد ذاتها دراما جيلنا الحالى وتجسدها، لقد كانت كتابة القصة هى سبب تعارفنا، ثم أهم أسباب صداقتنا الوطيدة بعد هذا. وكان ليسرى فى تلك العلاقة دور المعلم والموجه والصديق. هو الذى عرفنى بعالم الفن الغامض الرهيب الرحيب، هو الذى اكتشف فى نفسى وقدمنى إليها، وهو أول من ثار على حين غيرت الطريقة وأصبحت نفسى.. وكان لابد أن نختلف وكف هو عن الكتابة، وواصلتها أنا لسوء حظى".([9])

يبلغ عدد القصص التى نشرها محمد يسرى أحمد - حسب ما أعلمه حتى الآن - سبع عشرة قصة، أولاها (غابت الشمس) فى صحيفة النداء 9 سبتمبر 1948، ونشرت مرة أخرى فى مجلة القصة 20 يوليه 1954، وكان آخر ما نشره قصة (كاميليا) فى صحيفة الجمهورية 9 أبريل
1960([10])، وله مسرحية واحدة بعنوان (بلا أمس) فى مجلة القصة (عدد 20 مارس 1950).

ذكر يوسف إدريس ما لقيه من تشجيع المجموعة الأدبية التى نشأ كاتباً بينها، يسرى أحمد وصلاح حافظ وحسن فؤاد وغيرهم، وبرغم التشجيع نظر إلى هذه المجموعة - كما يقول- بحذر مخافة أن يفقد ذاته بين أفرادها، وبحرص شديد على أن يقدم لهم شيئاً جديداً.([11]) ثم اعتبر قصة (أرخص ليالى) بداية الطريق إلى رحلة استكشافه الخاص، وما سبقها تمارين على الكتابة، وهو ما يبرر التشابه بين قصصه الأولى وقصص يسرى أحمد، كما يفسر - بجدارة - إحجامه عن إعادة نشر بعض القصص التى نشرت للمرة الأولى بعد (أرخص ليالى)، فبعيداً عن احتمال كتابتها فى مرحلة التدريب، تكشف هذه القصص عن مأزق العقل المبدع فى مواجهة طغيان موهبة النظير، استراتيجية صموده فى وجه مرجعيته الأدبية، وفشله النسبى فى الصمود.

ستظل الذات الجمالية المتفوقة مفتونة بنكرانها أى شكل من أشكال التأثر، ما دامت تتصور أنه يجعل المتأثر أقل أصالة، بالرغم من أن التأثر يسهم أحياناً فى أن يصبح المتأثر أكثر تميزاً، وإن لم يكن أرفع مستوى، ومن هنا تبرز أهمية دراسة دورة الحياة الأدبية للمبدع، والسياق الذى تكونت فيه، فبهذه الدراسة تتكشف سبل الصراع مع الكتابة، والكفاح التسابقى لاستنقاذ الفردية من الذوبان فى مجموع السلف والمعاصرين.

القصص المجهولة([12]).

م

القصة

الدورية

تاريخ النشر

1

أنشودة الغرباء

مجلة القصة

5 مارس 1950

2

لعنة الجبل

مجلة روز اليوسف

4 أبريل 1950

3

نهاية الطريق

مجلة القصة

20 مايو 1950

4

قط ضال

مجلة القصة

5 أكتوبر 1950

5

القبور

جريدة المصرى

22 فبراير 1953

6

العنكبوت الأحمر

جريدة المصرى

8 مارس 1953

7

عصابة الفلاسفة

جريدة المصرى

30 يونيو 1953

8

تلميذ طب

مجلة روز اليوسف

15 مارس 1954

9

مجرد يوم

جريدة الجمهورية

30 أغسطس 1957

10

الكابوس

مجلة بناء الوطن

يونيو 1963

11

قصة مصرية جدا

مجلة الهلال

يوليو 1965

 

(229) مجموعة (أنا سلطان قانون الوجود)، دار مصر للطباعة، 1981.

(230) انظر: رسالة إلى يوسف إدريس، سابق.

(231) انظر: محمد المنسى قنديل، أشياء تعلمناها من يوسف إدريس، مجلة الهلال، أغسطس 1991، ص 60.

(232) انظر: هامش قصة أكبر الكبائر، مجموعة (بيت من لحم)، وتصدير (قصة منسية) مجلة الهلال، فبراير 1965. وانظر أيضا مقاله (بلد تغطيه بعقلة إصبعك) فى مجلة الدوحة، أبريل 1979، ص 38، حيث قال إدريس إن " مارسيل " الملحق الثقافى الهولندى بالقاهرة - وكان يعد رسالة دكتوراه عن الخط الاجتماعى فى أدب يوسف إدريس - اكتشف قصة لإدريس كتبها فى عام 1973 قبل الحرب بسبعة أشهر ونشرت فى عدد مجلة الآداب الخاص بالقصة العربية، لكنه نسيها فلم يضمها إلى أية مجموعة، مما يرجح أن قصة البراءة نشرت فى أبريل 1973، وأن النسيان أدرك إدريس فى الملاحظة التى سجلها فى هامش القصة بمجموعة أنا سلطان قانون الوجود.

(233) أرفق إدريس قصة (البراءة) فى مجموعة (أنا سلطان قانون الوجود) بحاشية، يقرر فيها أنها " كتبت ونشرت لأول مرة فى مجلة الآداب (العدد الخاص بالقصة القصيرة) فى يونيه 1972 "، ولم يكرر مثل هذه الحاشية مع أية قصة أخرى فى المجموعة، برغم ضرورة ذلك مع الجميع، خاصة ما نشر فى تاريخ سابق، مثل: أنا سلطان قانون الوجود (الأهرام 24 يناير 1971) وسيف يد (الأهرام 10 سبتمبر 1971)

(234) نشرت فى مجلة القصة، 20 أبريل 1950، ص 10-14.

(235) نشرت فى مجلة الأديب، السنة التاسعة، الجزء العاشر، أكتوبر1950، ص 21-24.

(236) انظر: ببليوجرافيا مجلة أدب ونقد، ص 159.

(237) الجمهورية، 9 أبريل 1960.

(238) عدل يسرى أحمد عنوان قصة (دنيا الشرف) المنشورة فى مجلة القصة 20 أبريل 1954 إلى (دنيا الشرفاء) ونشرها فى الدورية نفسها 20 مايو 1955 كما أن له قصتين مختلفتين بعنوان (كاميليا) نشرت الأولى فى مجلة القصة 5 فبراير 1950، والأخرى فى صحيفة الجمهورية 9 أبريل 1960.

(239) شهادة يوسف إدريس فى القصة القصيرة، يوسف إدريس (كتاب تذكارى) الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1991، ص 17.

(240) أثبتُ متون القصص المجهولة فيما يلى كما وردت فى الأصول المنشورة بها، بأخطائها كلها، معتبرة إياها مسودات قصص. مع ملاحظة أنه توجد نصوص أخرى مجهولة تماما فى إبداع يوسف إدريس منها ما أشار فى بعض أحاديثه إلى أنه يكتبها، مثل: مسرحية (شلة الغد). انظر: حديثه مع رشاد كامل، سابق. ومنها ما يتردد - بين أصدقائه - أنه كتبه قبل مرضه الأخير.

 

 

موارد نصيــة

د. عبير سلامـة

نداهة الكتابة

نصوص مجهولة في إبداع يوسف إدريس

المحتــوى

1. بدايــة

2. مفيستـو والتزام الكتابـة

3. تعديل أزمات الثعلب

قصة الورقة بعشـرة

قصة القديسة حنونـة

قصة جيوكندا مصرية

نص المستحيـلان

رأس المثلث الرمادي

قصة المثلث الرمادي

4. موهبة النظير في القصص المجهولة

قصة أنشودة الغربـاء

قصة لعنة الجبـل

قصة نهاية الطريـق

قصة قط ضـال

قصة القبـور

قصة تمليذ طـب

قصة مجرد يوم

قصة الكابـوس

قصة (قصة مصرية جدا)

5. نداهة الكتابـة

قصة (طابور خامس) لمحمد يسرى أحمد

قصة (النداهة) لسليمان فياض

6. قصة المقالات وحدود التجريـب

7. بداية أخـرى

8. ببليوجرافيا قصص يوسف إدريـس

 
 
 
 
جماليـــات إضــــــاءات

حــوارات

مقـــــــالات

تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمـــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع مـوارد نصيـة

موقـع محمد أسليـــم - تاريخ الإنشاء: 27 ينايـر 2002.