بيت حســنية

                                

 

 

 

لا يزال بيتنا القديم بنوافذه العتيقة،وبيوت حينا القديم حية ونابضة في ذاكرتي ..لا يزال بخار الشاي الحار المتصاعد أيام الشتاء الباردة ندياً ، ولا يزال والدي في مكانه الخالد قرب الراديو يستمع إلى نشرات الأخبار وإلى أغانيه المحببة إلى نفسه ربما بنفس الأحاسيس التي أشعر بها ألان مع الأغنيات التي تقاسمت همومي ومشاعري حينما عشت حبي الأول مع ( هيفاء طوبيا

بيت حسنية كان محظوراً علينا أن نقترب منه . تزورني الآن عبارة أمي المعتادة عن حسنية التي كانت توصم من قبل الجميع بامرأة السوء :

ـ العاهرة .. مات زوجها وبعده بأسبوع أخذت تستمع إلى الراديو ! بيتها مليء بالرجال .. هؤلاء لا يأتون طبعاً لشرب الشاي معها بالتأكيد ..الله يعلم ماذا يحدث في الداخل ؟

بيت حسنية كان بيتاً عادياً بكل تفاصيله ، الشيء الذي كان يميزه عن بيوتنا ، حديقته الصغيرة .ماذا كان يجري في هذا البيت الذي كان الموضوع الدائم الذي لا ينضب لنساء الحي. .

ـ أمس وقفت سيارة أمام بيتها .

ـ أصبحت لا تخجل .

ـ وهل لمثلها أن تخجل !

ـ ارحمنا يارب!

أصبح البيت يدخل أحلامي .رأيت رجالاً ونساء في حالة عري تام ، يدعونني كي أتعرى معهم ، إلا إنني كنت أهرب إلى أمي كل مرة . كانت لحسنية ابنة في العاشرة ، لا أعرف اسمها ..بمجرد رؤيتنا لها كنا نصرخ بصوت واحد: هاهي بنت القحبة .. هاهي بنت القحبة ، وكانت تهرع باكية .كان لها أنف دقيق ، وفم له حمرة نظيفة .

ولتشفيه غليلنا من هذا البيت السيء السمعة الذي يسيء إلى أسم حينا ، كنت أحمل روث البهائم وأحياناً كلاباً سائبة وألقيها في حديقتهم .

في يوم أتاني رزوقي قائلاً ، أن أمه قالت لابنة بهيجة التي لا هم لها إلا التحدث عما يجد في بيت حسنية ، أنه لولا العيب لنزعت لباس حسنية وأفهمتها قدرها الواطئ في الحي أمام الآخرين .. لكن بنت بهيجة قالت ، أن الشرطة ممكن تتدخل في الأمر وتصبح الفضيحة كبيرة ، وينقلب الأمر ضدنا . ضربته على قفاه .. وماذا يهمنا في ذلك أيها الغبي ؟

قال : ما رأيك لو فعلنا الشيء نفسه في ابنتها ؟

لم أنم تلك الليلة . تخيلت كيف سنقبض على بنت حسنية ، وننزع لباسها وسط الحي كي تفهم أمها إننا لم نصمت أمام أفعالها المشينة ..وعليها البحث عن مكان أخر .,أخذنا أنا ورزقي نبحث عن الزمن المناسب .. ,أخيرا ظفرنا بها في مساء يوم ما في حديقتهم .

أراد رزوقي أن يصرخ كالعادة : هاهي بنت القحبة .إلا إنني أسكته .. أُسكت أيها الأحمق ستهرب .

أقترب رزوقي من الخلف ووضع يده على فمها ،  اقتربت منها بدوري . ظهر على وجهها خوف رهيب ، ونظرات استفهام في عينيها . رفعت فستانها الأحمر بقسوة ، وبقوة مددت يدي إلى لباسها الداخلي . قلصت ساقيها مقاومة بيأس . كانت وحيدة وخائفة ، كانت ترتعش باكية .فجأة شعرت بإشفاق مذهل نحوها . سحبت يدي من لباسها الذي كانت تقبض عليه بقوة ، أخذت أجري منطلقاً نحو البيت . 

في البيت أخذت أبصق على يدي ، ,اضرب بها حائط الغرفة .هرعت أمي بلهفة :هل جننت ، هل ضربك أحد؟ هل هو ابن علوان الأخرس ؟ تكلم . لم أقل لها شيئاً . تأففت . أوه.. اذهب وأبك في خارج البيت .

انطلقت خارج البيت . كانت النساء متجمعات حول عربة خضر البزاز .نادت بنت بهيجة ، أمي : تعالي لقد حضر خضر البزاز.. ألا تشترين شيئاً للعيد ..؟ وخرجت أمي بينما كان البزاز يحلف بشرفه للنساء المتجمعات حول عربته ، كيف أنه يحب محلتنا ، وأنه أحضر هذه الاقشمة خصيصاً لنساء حينا .ضحكت بنت بهيجة وقالت لأمي : أمس في تمام الساعة التاسعة ، وقفت أمام بيت حسنية سيارة حمراء نزل منها رجلان وامرأة  .قالت أمي : أوف ..أوف ما العمل مع هذه العاهرة ؟.ورأيت رزوقي يتجه نحو بيت حسنية ويكتب على جدار بيتها ( هذا بيت حسنية العاهرة ) ثم أقترب مني . ماذا جرى لك ؟ لاشيء . قلت .ربما خفت . قال : كان العمل على وشك الانتهاء . لم أرد عليه . هل تعرف أختي ستتزوج غداً . ,التفتت أمي إليه :

ـ آه .. صحيح بالخير عيني ..إن شاء الله سنحضر غدا ..أختك درة لا يعيبها شيء .

في المساء شربنا الشاي بعد العشاء . استمع والدي إلى القران من المذياع . كانت أمي تدقق القماش الذي اشترته. قالت مخاطبة والدي : غداً عرس صفية . لم يرد عليها والدي . لكنها واصلت حديثها : بعد هذا العمر يأتيها عريس ! ياله من حظ ! لم يبق بينها وبين العنوسة إلا رمق . صرخ والدي بغضب : ألا يكفي ؟ ردت عليه وهل قلت شيئاً حتى تنهرني وكأنني طفلة . هل عددت لك ما فعلته وما عملته مع شبان الحي حتى تغضب كل هذا الغضب ؟ .. أعوذ بالله ، أستغفرك يارب .قالها والدي ككل مرة يعجز فيها عن إسكاتها .

بعد ساعات نام الجميع . بقيت وحدي أرقاّ . أحس بأرتعاشة بنت حسنية ومدى خوفها ووحدتها . كان الندم يجتاح كياني . نهضت من فراشي .اتجهت نحو الباب الخارجي . فتحت الباب . كان الزقاق يغط في نوم عميق.

اتجهت نحو بيت حسنية . البيت كان نائماً وسط ظلام دامس . أخذت أمسح كل الشتائم التي كنا قد كتبناها على الحائط ،وطردت من باب الحديقة كلباً كان نائما ، فهرب وهو يعوي من الذعر . في تلك الليلة نمت ، وحلمت ببيتنا وفيه ألف نافذة يتسلل منها الضياء ، ويغمر جميع جنباته .

في الصباح تهيأت أمي للذهاب إلى العرس . لا أرغب بالحضور ، قالت أُختي . صرخت أمي : أيتها الغبية هل تريدين أن نصبح مضغة في أفواه الناس ؟ غداً سيقولون بنت نجيبة من حسدها لم تحضر . هيا تهيئي ولا تكوني بلهاء .

جلست قرب النافذة ، أنظر إلى بيت حسنية . كل ما أبغيه أن أراها . مر من أمامي جندي في يده كيس مليء بالرمان ، وامرأة ذاهبة إلى الحمام بيدها صرة ومعها ثلاثة أطفال ، ونساء ذاهبات إلى العرس ، وقروي بيده أربع دجاجات ، وشحاذ يطرق الأبواب . طرق بابنا أيضاً فلم أفتحه .

وأخيراً ظهرت في الحديقة . فتحت النافذة ، وابتسمت لها . نظرت إلي بشك وخوف . العرس جعل الزقاق شبه خاو .. لم أكن أجرؤ في وقت أخر من الاقتراب من بيت حسنية .كانت مترددة بين البقاء  الانتظار ،وبين الهروب.ابتسمت لها .هذه هي المرة الأولى التي لم أشتمها فيها .ردت لي الابتسامة بتردد .أسنانها نظيفة وجميلة. فرحت بذهابي إليها ،وهي المحرومة من رائحة الطفولة الطائشة .دخلت بهدوء الحديقة التي كانت تفوح بروائح عذبة .جلست قربها في الأرجوحة .أخذنا نطير .وأحسست إنني طائر مليء بالفرح والغناء .أخذت أغني لها :

                                كل البلام تفوت حسن

                                 عيني على بلمك

                               ومن الهوا والروج

                                      ربي يسلمك

كانت تضحك بانطلاق .شعرت بالندم لأني ملأت حياتها بالقهر والرعب .لم أسألها عن والدتها ،ولاعن السيارات التي تقف أحياناً أمام بيتهم .هل أذيتك أمس ؟ ترددت في الإجابة ..ثم قالت بهمس: قليلاً .قلت: هل أنت غاضبة مني ؟ قالت:لا..أنت أحسن من الآخرين . سكتت لحظة ثم قالت : إنني أتمنى أن ألعب معك ومع الآخرين وسط الزقاق كالآخرين .أريد أن أجري حافية..وأتخاصم معهم ثم أعود إلى البيت تعبة ..لماذا لا يدعونني ألعب معهم ؟ لم أرد .سميرة..سميرة . والتفتت هي.نعم ماما  .أحسست ببحر من البرودة يجتاحني .إنه صوتها ، صوت حسنية التي يتكلم عنها الجميع ،ويقولون أن الرجال ذوي السيارات يزورونها كل ليلة.أحسست بحاجة للتقيؤ . بعد لحظات ، كانت أمامنا . تأملتني بتساؤل ،وتأملتها بدوري . امرأة متوسطة العمر ،تقرب من البدانة ..ملامحها عادية . إنه صديقي يا ماما .ربتت المرأة على شعري .إنها وحيدة يابني ..العب معها متى ما شئت . أعطتني حلوى ثم دخلت .آه ..لو رأتني الآن والدتي والأطفال ونساء الجيران ..! أحسست بحاجة إلى الهرب .هل ستحضر ثانية لنلعب معاً ؟ صمت ولم أرد عليها .أريدك أن تأتي إلي دائماً . خرجت ورافقتني هي إلى الباب .وفجأة رأيت رزوقي أمامي الذي وقف ينظر إلي مبهوتاً .كعادته هجم عليها صارخاً : بنت القحبة .

ضربها على وجهها .أخذت تبكي. كنت أرتجف من الغضب .وبلا شعور أخذت أضرب رزوقي وأجره بعيداً عنها ،بينما هرعت هي إلى البيت باكية .صرخ رزوقي في وجهي : لماذا تضربني أمن  أجل بنت القحبة هذه ؟!

إنها مسكينة .قلت له . نظر إلي باستغراب : كنت قادماً كي أخبرك بالعرس . إن بيتنا مزدحم ألا تأتي ؟           

في الليل قالت أمي : لم ينجح الماكياج في جعل وجه صفية جميلاً . هل لاحظت كيف كان أنفها ضخماً . ثم أن العريس كان يبدو مثل قروي يلبس البدلة لأول مرة في حياته ..على كل حال العريس لا يستحق المديح الذي كانت أم صفية تكيله له .ردت أختي بانكسار : أليس ذلك أفضل من أن تبقى عانس .نظرت أمي إليها بإشفاق .سيأتي ابن الحلال وتصبحين أنت أيضاً ست العرائس.

طرق الباب .كانت بنت بهيجة . رحبت بها أمي وأدخلتها الغرفة الثانية .لكنني كنت أسمع كل شيء.

ـ أرأيت كم كانت قبيحة !

مددت يدي إلى كتبي المبعثرة الموضوعة على الرف .

ـ الشاي جاهز .

ـ مشكورة عيني .

بين الأوراق المبعثرة وجدت صورة لرجل .. خلفها عبارات قبيحة وغبية ( إن ضاع اسمي ، فهذا رسمي ) الصورة مهداه إلى أختي صفية .أخذت أرتعش .

ـ لا يا عيني أين صفية الدرة من هذه ؟ أدب وأخلاق .

أعثر على قصاصة ورق (( تعالي غداً .المفتاح كالعادة قرب النافذة .لم أعد أتحمل .أسبوع بأيامه السبعة لم ألمسك . أريد أن أحسك قربي..))

ـ أختي صفية كالوردة النقية ..سوف يأتيها النصيب حتماً .

ابتلعتني دوامة شرهة من التساؤلات .كنت صغيراً أبحث عن طريق ، عن شمس وسط هذه الحلكة .

ـ أمس رأيت شابا يدخل بيت حسنية .

ـ سيصبح زبوناً . قالت  بنت نجيبة .

ـ ابنتها ستكون مثلها ..يأتونها بالسيارات ،ويعربدون معها .

 

لم أجد الشجاعة في نفسي في أن أصرخ ، كلا ..إنها فتاة لطيفة ‘تحب أن تلعب حافية معنا ..وتتمنى أن تتشاجر مثلنا من أجل أشياء تافهة ثم تعود إلى البيت مثلنا تماماً ..دعوها تخرج . اسكتي يا أمي ..دعوها تلعب بحرية مثلنا .لم أجرؤ على قول كل ذلك .أصبت بالخرس تماماً  وجبنت .

في الصباح ، جلست أمام النافذة .خرجت هي و حينما رأتني تحولت عيناها إلى طائرين من الفرح .أشرت لي .تعال . لم أذهب .ستعرف أُمي .سيضربها الأطفال أمامي ولن أستطيع حمايتها .أحسست إنني وحيد و خائف مثلها تماماً .

انطلق رزوقي نحوي وهو يلهث .أتدري ماذا حدث اليوم ؟ كلا .قلت ببرود .واصل حديثه بلهفة .اليوم أحضرت أُختي عندنا خرقة ملطخة بالدم .، وحينما رأتها أمي فرحت و أخذت تزغرد ..لا أدري سر فرحة أمي الطاغية بهذه الخرقة …ثم توقف عن الحديث .كانت ابنة حسنية تنظر إلي بعتاب .أخذ رزوقي يصرخ في وجهها كالمسعور .بنت القحبة ..بنت القحبة .لم أردع رزوقي كما كانت تنتظر .هرعت خائبة إلى داخل البيت .

في البيت قلت لأمي :اليوم أحدثت خرقة ملطخة بالدم فرحة كبيرة في بيت أم صفية و… ولم تدعني أكمل صرخت في وجهي :اخرس.. لقد أصبحت كثير السؤال هيا اذهب و العب مع أصدقائك.خرجت ورأيت وجه أختي محمراً من الخجل .

                    *           *             *                                  

اليوم يد الزمن غيرت كل شيء .تغير الزقاق و البشر تماماً .. ربما  مات أغلب الجيران .و لربما تكون أم حسنية قد شاخت كثيراً أو ماتت لكنني أتمنى أن تكون بنت حسنية على قيد الحياة ..تلك الفتاة الوحيدة الخائفة أبداً و التي لم تكن تتمنى إلا أن تلعب في الزقاق حافية ،وتتشاجر لأتفه الأسباب مثلنا تماماً .أتمنى أنها استطاعت تحقيق أمانيها الصغيرة …و..

فجأة دخل إلى غرفتي رجل أصلع ، بدين . وقف ينظر إلي بحنو :

ـ أنت لم تعرفني .. يبدو أن الشيخوخة تمكنت منك . أنا رزوقي !

ـ رزوقي ..! بعد ثلاثين عاماً ! أية صدفة هذه !

ـ لقد جئت لأساعدك ..

ـ تساعدني ؟ في ماذا ؟

ـ في إنهاء قصتك . لا تنس بأن لي دور رئيسي فيها .

ـ  من أين علمت بها ؟

ـ ألست صديقك .. رغم حبك لكتابة القصص إلا إنك لم تلق الانتشار المطلوب .. أقترح أن تنهيها هكذا " وعاش الجميع في ذلك الحي في تبات ،ونبات إلى أن أتاهم هازم اللذات ، ومفرق الجماعات .. "

ـ ألا ترى أنها جملة تقليدية ؟

ـ مادمت لا تعرف مصير أبطالك  فهي خير خاتمة . أليست هي خاتمتنا جميعاً !

قررت أن أنهي قصتي بنفس العبارات التي أقترحها صديق طفولتي .فكتبت"..وعاش في حينا الجميع في تبات ، ونبات إلى أن أتاهم هازم اللذات ، ومفرق الجماعات " .

 رفعت رأسي إلى رزوقي لمعرفة رأيه .. لكنني لم أر أحداً .

       

 

 

 

                                                            8 /11/ 1973