|
إنّها الحقول و
الغابات و البحار و الكون , كل المساحات الشاسعة
اللامتناهية التي تحتوي تدفقاته المتواصلة وتتجلى فيها .
كل السيلانات : ماء , مني , دم , خمر , قيئ , حبر , لعاب
, رذاذ , مخاط , حليب , مطر , خلّ , دموع , عرق , بصاق ,
زبالة , بول , عسل
...
ذلك هو الرسم
.
تلك هي الكتابة
.
خطوط مرحلة
كماء النهر
.
ايقاع الخريف
رقم واحد
تقارب
انعكاس الدب الكبير
اعمدة زرقاء
و لوحات اخرى كثيرة
لوحات جاكسون
بولوك تأخذك الى جنونه بحباله بخيوطه بشباكه باختبالاته
يشدك و لا يشدك الى حيث تريد او لا تريد
.
تلهث ينقطع
نفسك
...
من اين له كل هذا التعنت و الاصرار والعناد ؟
من اين له كل هذه الوقاحة و التهور ؟
من اين له كل هذه الكبرياء الفائضة حتى الطوفان ؟
يجري في الريح
يجري و يصطدم بالريح , بالصخر, بالرماد . يتحطم ألف مرّة
ثم ينحت ذاته من جديد
.
او يضيعها
.
السيارة التي
قادها ليلا بسرعة جنونية حتى اصطدم بشجرة و مات
.
أنت مأخوذ معه
او فيه او إليه ... تجري و ينقطع بك الحبل . يأخذك و
يقطع بك الحبل . يهلكك
.
الكاتب الرسام هل يقيدنا ؟
هل يسجننا بولوك في لوحاته , في فضاءاته الشاسعة ؟
في صفحاته ؟ في سرعته المجنونة ؟
هل يسجننا بولوك في حريته ؟
هل يقيدنا ذلك الامريكي بحباله بحبالنا و يلقي بنا في
متاهته ؟
أم يطلقنا و يحررنا ؟
أم نحن قادرون على التحرر من قيوده ؟
ما ان تقع
العين على لوحاته حتى تنشد الى تلك الخيوط السوداء الى
تلك المتاهة المدبرة بعناية و دقة . تتابع العين الخيوط
التي القاها الرسام على ارض اللوحة تضيع معها تجن مثلها
تذهب في كل الاتجاهات . تصل و لا تصل و ليس مهما ان تصل
. الم يقل بيكيت في اللامسمى : " المهم هو ان لا اصل
ابدا الى أي مكان , ان لا اكون في أي مكان
. "
بولوك رسام و
كاتب الحركة
.
اللاهدوء.
القلق المتواصل و الضياع الذي لا ينتهي
و التشرد الذاهب الى الهنالك . الذاهب في
المتاهة
.
حركة الجسد حول
اللوحة و فيها
.
حركة الرجلين و
القدمين حول اللوحة
.
الجسد كله يميل
الى اللوحة و يميل عليها
.
بولوك ينجز
لوحاته وهو منحني على اللوحة
.
اللوحة تأخذ كل
ما يأتي من الجسد
.
اللوحة تشرب
بولوك حتى آخر قطرة . الوانه , سواده
.
و العالم ايضا
.
حركة الخطوط
على اللوحة
.
سباق بينها ,
تصادم و تناقض و تجاور و تقاتل و مواجهة لا تهدأ
...
تلك الخيوط هل تسعى الى البقاء في اللوحة المتاهة ام
تحاول الانفلات منها ؟
ربما تريد ان
تقفز الى الفراغ الذي يحيط باللوحة
.
حركة اليد تلقي
الالوان على الفضاء اللامحدود المحدود ذلك انه للوحة
مقاييس و لكن في داخلها متعددة
.
حركة الالوان
السائلة على اللوحة , المتساقطة عليها , المتلهفة عليها
.
حركة الاحاسيس
المنفجرة
.
الهائجة
.
حركة الفراغ و
الموت و العدم و الحياة
.
كأنه بيكيت
الذي قال في رواية مالون يموت : " ان تحيا وحدك ان تتشرد
في لحظة لا حدود لها
. "
لوحات بولوك
خطابات خطوط تجري
.
هوس , هلوسة
تنطبع على اللوحة بل هي اللوحة
.
هذه اللوحات
الضخمة أتمرغ عليها , أتنفسها , أشمها , ألصق جسدي
بجسدها , أمرر يدي على كل شبر فيها
.
أتعطر برائحة
الارض بعد سقوط المطر
.
الخطوط السوداء
انخلاعات , ارتحالات غير دورية , تشردات تتم وفق تباينات
حرارية
.
يا لسورة الخمر
و شدتها.
إنها على حد
قول الشاعر تراكل : " ترحلات قلقة عبر فوضى الحصى
. "
هل تستطيع العين تحديد بداية و نهاية خطوط بولوك ؟
هل تستطيع نحقيق التأصل في المكان و الزمان ؟
إنها نقل ,
انتقال , تهجير , تقهقر , تقدم , انخلاع , تحويل ,
ارتحال , تبديل , انزلاق
...
ذلك هو الرسم
.
تلك هي الكتابة
.
بولوك رسّام
الفضاء
.
رساّم المسافة
.
الكتابة مسافة
شاسعة
.
إذا كان الفضاء
عند الرسّام روثكو عائما متأرجحا فإنه أرضي ممتد الى ما
لا نهاية له عند بولوك
.
روثكو رسام
الضوء العائم اما بولوك فإنه رسام الحركة
.
هدوء روثكو و
صخب بولوك
.
علاقات مائية
بين الالوان عند روثكو . ذات عائمة
.
علاقات هوائية
أرضية بين الخطوط عند بولوك . جسد مخلوط بالتراب
.
عند روثكو
الالوان منظمة لتنتج الضوء الشفافية . المربعات و
المستطيلات التي تحدها حدود شفافة تتراكم طوابق ضوئية
.
الالوان منظمة
عند بولوك لتنتج الحركة الصراع . يلقي بها على الارض
يجاورها يلاقيها تتصادم
.
في فضاء بولوك
لا وجود لهوس فقدان الهوية أو هوس العودة الى الوحدة
المفقودة . لا مركز في لوحاته و لا عمق . بل فيه احساس
الذات بما تعيشه . الذات تنقاد الى جنونها . تنظيم
للجنون الذي ينكشف و يظهر دون ان يختزله اويوريه او
يخفيه او يقصيه كما هو الحال في فضاء الرسام موندريان
.
|
موندريان الواجب حساب صارم بناء قاهر وضوح الوهم
تفقير الصمت الانانة او تقوقع الذات على ذاتها
SOLIPSISME اخفاء للفوضى للتناقض تصوف العقل
الصرامة الاخلاقية ا لتفكيرا لنسقي كلياني لا مجال
للصدفة او الارتجال الثبات العالم مغلق عالم فكري
بحت مثالي رفض للمادة عالم واحد تقنية كلاسيكية :
القلم الفرشاة المسطرة المسند ... عودة الى
الماهيات : استخدام الالوان الاساسية , الاحمر و
الاصفر و الازرق استخدام الخطوط العمودية و
الافقية . الموت الدرس الوفاق الانسجام الهوية
العودة الفن تحكمه الضرورة |
بولوك الممكن تناغم و تناسق ليس سعيا الى النظام
المغلق بناء منفتح الاعتراف بالتناقض ثراء لا
متناهي الكلام الهذيان الثرثرة ... حوار متواصل :
البينذاتية INTERSUBJECTIVITE اعتراف بالتناقض
اقبال على الحياة العقل و اللاعقل التجربة
الاخلاقية منفتح اختلافي رمية النرد : نيتشة ,
ارتو , شار .. الحركة منفتح على الاخر على العالم
على اللامتناهي المادي و اللامادي عوالم متعددة
تقنية جديدة :DRIPPING تقوم على ثقب علبة اللون و
اسالة ما فيها على القماشة التي وضعت ارضا استخدام
الفرشاة و الاعواد و الملوق ... كل الالوان و كل
الخطوط الحياة الصراع اللعب الاختلاف السفر
المغامرة الفن حرية |
فضاء بولوك
انه فضاء
الجنون و الغليان المستمر و الحركة التي لا تهدأ .
فضاءات متعددة متناقضة تتقاسم اللوحة او تتصارع فيها .
تأتي من مناخات عدة .بولوك لا يحتل الفضاء بل يجري فيه و
يمشي و يذهب و يركض و يطير و يهرول و يسير و يهرب و لا
يصل
...
هو نيتشة الذي
قال في كتابه افول الاصنام : " انتشاء ارادة زاخرة بطاقة
متراكمة
. "
اللوحة مساحة
مسافة متاهة يتحرك فيها الرسام
.
اللوحة متاهة
يدخلها الرسام و ندخلها معه يضيع و نضيع معه
.
نلتقي بالوحش
في المتاهة
.
ما الذي يحدث لنا ؟
هل نأكله ؟
هل يأكلنا ؟
لا تمسك بيدك
خيط اريان لتمشي في المتاهة
.
بولوك ليس
ديدالوس الذي انقذته اريان
.
تلك هي ارض
بولوك ارض تيهاء
.
تلك هي الكتابة
يخرجنا الفنان
من علاقات الدائرة او المثلث او المربع او الهرم
...
الى علاقات المتاهة
فضاء العلاقات
: تعايش , تعاقب , سببية , تناسب , انتماء , رنين ,
توافق , تدرج , تباعد , تبادل , تقابل , تكافؤ, تقارب ,
تلازم , انخراط , تفاضل , محايثة , تشابك , تصادم ,
تحابك , اختبال
...
صراع جنوني
.
الحياة تيه
.
من يمسكني ؟؟؟؟؟
من يأخذني ؟؟؟؟؟ |