جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات

مقـــــــالات

تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

طـه عدنـان

tahaadnan@hotmail.com

القاهرة - محمود قرني

قراءة في ديوان «ولي فيها عناكب أخرى» لطه عدنان

   

ثمة اسئلة نصية تواجه الشاعر الجديد، ليس بوصفه أداة من أدوات الفرجة المعولمة، ولكن بوصفه صانعا للفوضى وقامعا لها في نفس الوقت. فوضى الشاعر الجديد تملك قوة تدميرية هائلة لا تقوم تصوراته خارجها، ولكنها فوضى جريحة، فوضى تبحث عن طرائق منتظمة للتعبير ومنابت اخرى للجذور، بعيدا عن تركات الاسلاف التي كلّت اقدام الشعر من السير فيها.

الحدائق الطرية التي يحاول ان يطويها الشاعر الجديد ليست ملغزة ولا بعيدة، مشكلتها انها شديدة الوضوح وشديدة القرب، لكن امتلاك شروط التكيف امر يبدو حيويا لتحقيق شيء من الانسجام بين الأشياء التي يمكنها ان تقطع شرايننا، ثم تربت في حنو على أكتافنا، وارثنا الكبير على مساحة الإنسانية لا يستطيع ان يضمد الكثير من هذه الآلام، رغم ان رفاقنا الاحياء ورفاقنا في التراب كانوا يسعون ـ في الأغلب ـ إلى ان يتركوا لنا زهرات متناثرة على امتداد الكون وفي اركانه الاربعة. بيد اننا سلمنا كل تركتنا للحروب التي كانت تملك دائما مبرراتها السخيفة، هذه الحروب التي نمت على هامشها طحالب تستصرخ الآلهة، وتستصرخ القانون ان يدلاها على معبر مضاء في هذه الحلكة. هل يمكن لهذا كله ان يدفع بالشاعر إلى احتقار الشعر. ربما... نلمس ذلك للوهلة الاولي ونحن نفتتح المسوّدة الاولى للقصيدة الكونية ـ هذا هو اسمها ـ للشاعر طه عدنان، في ديوانه ولي فيها عناكب اخري احدث اصدارات وزارة الثقافة المغربية. يعلن عدنان سخريته منذ اللحظة الاولي بعد ان يضع البراكين في مواجهة القصائد، والشاعر الكوني في مواجهة الشعر المنكوش، والغموض في مواجهة القسوة العلنية، والمطرقة في مواجهة الدمعات البلورية الشفيفة، يقول:

البراكين تكاد تنفجر في رأسي
حتي اني لم أعد احتمل الجلوس
أمام مكتب اخرس
لأكتب ما قد يسميه البعض شعراً

أما في القصيدة التإلىة مباشرة وئيداً احفر في جليد حيّ نجد الفأرة اللعينة تأكل القصائد في الوقت الذي يموت فيه صديقه عبد الحق شباضة في سجن لعلو بالرباط اثر اضراب عن الطعام. فماذا سيفعل الشعر اذن في مواجهة هذه الأرتال الهائلة من العنف. تبدو للوهلة الاولى والاخيرة مجازات القهر والقمع الإنسانيين أعلي بكثير من تجلياتهما من طاقة العقل على التصور والاستيعاب، وربما لذلك تبدو كل القوانين الضارة غير صالحة. ومن هنا يبدو الحديث عن احترام وتبجيل الارث الحضاري الإنساني مثيرا للسخرية، لذلك تتبدد كل المحاولات التي يمكن ان يبذلها الشاعر الحقيقي للتأدب، أنا لا أظن، بهذا المعني، ان يوجد شاعر حقيقي يملك هذا القدر من القنوط الذي يحمله علي تبجيل قامعيه، لذلك فهو دائم القطع لكل الخيوط التي تصله إلى هناك، ومن ثم تبدو المبررات اقوى لكي يسخر طه عدنان من الشعر ومن الشاعر الكوني ويراهما ارث مساكين لا يعرفون شيئا عن حلكة المصير. هذا الشاعر الكوني الذي يقعد مقطّب الجبين وهو يقبض بكلتا يديه على قلم احمر يعتقد انه سوف يصحح اخطاء العالم، ومن هنا يقتحم الشاعر وحدته بجرأة ليعيد ترتيب البيت، انه ببساطة يرد هذا الارث إلى اصحابه لكي يصنع ارثه بطريقته الخاصة، هو هنا يختط لنفسه طريقا من اللحظة الاولى، يدرك حجم التناقضات الرهيب بين ملاك إلىقين والحقيقة المطلقة، وبين هذا الكائن الأضعف والأكثر وهنا الذي يفشل تمام في افتعال تقطيبة شاعر كوني او سرقة نظارة فيلسوف كبير والهرب بها إلى القصيدة.
هذا الاغتراب والتقوقع يبدو اكثر جلاء في قصيدته الفانتازية I love you، حيث تتحول مفردة الحب الخالص غير المسندة إلى ما عداها إلى فيروس يبعث بعدا جديدا في تضاعيف هذه البنية الساخرة. يقول الشاعر طه عدنان:


ان تقع في أسر عنكبوت الكتروني
لتؤدي الجزية 18 دولارا في الشهر
ان تصبح لك صداقات وطيدة
في كل انحاء العالم
دون ان تجد نفسك مجبرا
علي تحية جيرانك
في نفس العمارة...

ثم يستطرد بعد ذلك في الحديث عن صديقاته واصدقائه عبر الانترنت، هذا العنكبوت الالكتروني الذي يصبح كل شيء تبعا له عنكبوتيا كالحب والزواج والجنس وكل الأشياء التي كنا نتصور أحيانا انها انما تظل محمية بخصوصيتها الإنسانية والحضارية. ويبدو المأزق الإنساني ممثلا لشرخ الشمال والجنوب، الفقر والغني، الأبيض والأسود، الأقوى والأضعف وهي مرادفات لها أهمية خاصة لرجل يشعر بمرارة الملوّنين المسحوقين العالم ثالثيين وهم يحيون في مدنية حلمية مثل نيويورك أو بروكسل التي يقيم فيها طه عدنان. هنا يتحدث الشاعر عن الكيفية التي يمكن ان يتخلص بها الكائن من كل ارثه في سياقات التكيف الحتمي التي يمكنها ان تسلب الكائن كل خصائصه، فأنت بمجرد حصولك على البطاقة الخضراء (يقول الشاعر):
تسارع إلى تغيير اسمك العربي
متنكرا لسلالتك
وان تجاهر بقرفك الشديد من السود
والهيسبانيك
ومن باقي مظاهر التخلف في العالم الجديد
ألا تبدو محرجا ومغيظا...
كلاجئ مجبر علي شتم بلاده
وهنا يتحول الشاعر إلى صورة للرعايا المستعمِرين والمستعمَرين في الوقت ذاته، الصورة الاولى من تجليات التكيف المشروط والاجباري والثانية لتأكيده كأحد المسوخ التي استطاعت الحضارة الأقوي ان تحولها إلى نموذج لانتصاره، وتكريس الاغتراب داخل قلب المهزوم، وانتصار الحضارة الأقوى هنا لا تمثلها فقط صورة الكائن الميئوس من شفائه في قصيدة طه عدنان، بل هي تمتد لتشمل قصيدة الديوان عن جدارة مرثية إلى امادو ديالو هذا الشاب الغيني الذي قتل برصاص اربعة من رجال الأمن امام منزله بنيويورك، يقول الشاعر:

أهلا بك في نيويورك
هنا أطلق رعاة البقر
احدى واربعين طلقة
علي أمادو ديالو
لمجرد انهم ارتابوا في جلده
هنا ودع الفتي الغيني أحلامه
في تعلم الكومبيوتر
وفي ان ينتهي إلى رعي الالكترونات
بوادي السيلكيون .

هل كان امادو اذن ضحية لونه؟ أم ضحية رجال بلهاء يقبضون على اسلحة لحماية الحرية؟ لا اظن ان شيئا من ذلك صحيحا، فالشاعر يصيح بصديقه مؤكدا:

هنا مستقر الرُّحلِ
وموقف المشائين
لا تخلع نعليك أيها الزائر
فالوادي غير مقدس
ولا تخفف الوطء
فلا رفات هنا
لا أجداد
ولا أجداث

والمفارقة هنا تكشفها الشعرية بطلاقة لا تحتاج إلى تمثيلات افدح من التمثيل بالكيان الإنساني، ولا تحتاج ايضا إلى ثرثرات أعلى صوتا من صوت اربعين طلقة اخترقت جسد الضحية فقط لأن القوة الغاشمة ارتابت في لونه. فماذا كان يفعل امادو ساعتها، هل كان يبول علي نصب الحرية؟ هل كان يضاجع الكترونات وادي السليكون؟ هل كان يفصم عري المحنة الشاسعة بين البياض والسواد؟ الاجابة هنا لا تعني الكثير، لأن امادو لم يكن ليفعل شيئا، ولم يفعل شيئا، بقي لدينا اذن عالم مفرط في عنفه الطقوسي، عالم يتنادى عادة بعكس ما يفعل، ويذكر ادوارد سعيد انه قبل عقود قليلة كانت تعتبر النشاطات القومية والإنسانية في مجتمعات اصيلة وعريضة مناهضة لنشاط المستعمر، وكانت الامبراطورية البريطانية تعتبر ان المقاومين في مصر والهند حفنة من الضباط الطامحين الصاعدين المدعومين ببعض المثقفين الذين ولعوا بقراءة اعمال لامارتين.
فما الذي يفعله الشاعر اذن في مواجهة مثل هذه التفكيكات العنصرية. ان الخطاب الشعري هنا لا يتقصى الكشف عن عجز السياسات والكيانات الأضعف، بل يتقصى الكشف عن موت لامارتين نفسه وكل الصور التي يمكن ان تذيلها رومانسيته. يكشف الشعر هنا عن ارتقاء القوة مرتقى يتجاوز عنق البشرية، وعن تحولها إلى كينونة تعمل ضد ما افرزته يوما بإلىات اشد اختلافا.. هذه الحكمة التي خدعتنا لم تستنفر المشاعر المناهضة الا لتجزّها، ولم تزكِ الحقيقة الا لابتلاعها، هنا فقط يتبادر إلى الذهن كيف يكون حال السيد وكيف يكون حال العبد، جدليتان انطمستا بنضال الاخوة الإنسانية لكنهما تعودان مرة اخري، وعلينا الاعتراف، وعلي البشرية الاعتراف بأنها هذا الفن، وهذا البعد الذي يصارع نوعا آخر من القنانة هو ذاته الذي صنع اسطورة المعرفة، ورسم في الوقت نفسه مكان الخضوع وسجن الذات، وتراتيل الهزيمة.
ان الشعر مطالب هنا بأكثر من أي وقت مضي بأن يدافع عن المحبة، كما دافع لامارتين، والمتنبي، والغزإلى، وابن حزم، وبودلير، وسان جون بيرس، وأبي حيان، والكلمة وحدها يمكن فهم امكاناتها وغفران تطاولاتها وتحولاتها في الروح ومن ثم سقيها للبدن.
الكلمة هنا غصن شائك يثور علي فصاحة القرن وكثرة احاجيه والتباساتها، حيث تحولت الحياة الإنسانية إلى نشاز تدعمه اصوات المدافع ويكلله العار والتقهقر.
واظن ان نص الديوان الأخير الشاشة عليكم تمثيل مفرط في التمزق والانسحاق والتقهقر، فالشاعر يتوزع بين ثقافات ولغات وأصدقاء عبر فلتر الانترنت...
يقول:
غود مورجن ايلس
صباح الخير يا محمد
بو نجوركارين
اسعدت صباحا اياد
ثم يضيف:
لديّ جيران طيبون في هوتمايل
واتراب ودودون في ياهو
وعشيقة سرية في كارامايل
إلى ذلك يتقوقع العالم، وتتحدد فضاءاته في التقطيع والتشظي، عالم يقهرك على نسيان الماضي، ونسيان الحاضر، ونسيان المستقبل، وعلينا ان نلقي بالضغينة إلى اجهزة لغسيل التوتر... واجهزة لكشف الكذب، نحن مدعوون للتفاؤل بأكثر مما ينبغي والاسباب ليست مهمة على الاطلاق، لكننا في سبيل التكيف يجب علينا ان نبدأ التاريخ من اوله. على القوة الغاشمة اذن ان تخوض معركة ضارية مع الشاعر، هذا الفاسد الآبق الذي دائما ما يفسد كل الأشياء المرتبة، فهو في الحقيقة الذي قام كفأر صغير بقرض القصائد، وهو الذي أدار لثوار المقاهي ظهره، وهو الذي افسد على الفلاسفة تقطيباتهم بسخريته الدائمة من ماضيهم المخادع، وهو الذي يستحق ان نحشد له هذه القوة الغاشمة التي يمكنها ان تطلق على جسده اربعين طلقة بطريق الخطأ.
الشعر اذن اصبح مثيرا، واصبح في امكانه ان يكون عدوا؟!... ربما. هنا يستعيد الشاعر أفق المجانية بكل المعاني، ويتجاوز آفاق التراتب التي ورثها عن اجداده في الرباط، وبروكسل، ونيويورك، ويتشاجر مع اصابعه ويقود الثورات عبر وحدته المحمولة في كابل من الإلىاف الضوئية إلى كل البقاع. وعلى المرء ان يحتفي، ليس فقط بميلاد مثل هذا الشعر الثائر، بل بما يمكن ان يثيره الشعر من فوضى تعيد الاعتبار للنظام المنحط، النظام الفاسد، النظام الذي حطّت من شأنه المغالطات الكبرى والفلسفات الكبرى، اذن العداوة هنا مرثية لعالم ينقضي وعليه ان تنقضي استشرافا لعالم ضد نفسه وضد ماضيه.
هكذا تبدو تمايزات الشاعر طه عدنان سخية ومتواترة في سياقات الجمل القصيرة، واللغة الفارة من ارثها دون النظر إلى الخيبات المتوإلىة التي حققتها قصيدة النثر، ويمكن للقارئ ان يضبط عدنان متلبسا بالعروضية في اكثر من موضع:
يقول من المتقارب:
شربنا عيون المسار المدمي
وبحنا بما في الدما من لهب
ويقول من المتدارك:
كل شيء هنا بات يضجرني
ويقول من المتقارب:
سأحمل روحي علي فأرتي
وألقي بها في مهاوي الكوكيز .
ولم يكن العروض فقط هو أحد مظاهر هذا التنوع والتعدد والوعي بأهمية التواصل مع الماضي بدرجات متفاوتة ودقيقة وواعية، وسوف نلاحظ الديوان يكتظ بغنائية تبدو شديدة الوضوح.
يقول عدنان:

صباح الخير أيها العنكبوت
يا وابل المعني ويا شفيرة النور
بيتك من أبهي البيوت
وأنا سادنه الأمين .
ثم يقول:
أنا أمير الغرقي
وشهيد المبحرين
ابنك البار أنا أيها العنكبوت
فاحضني برأفة قبطان
بيتك بيتي
فأجرني من عتمة هذي البيوت .

الايقاعية والغنائية والوزنية، كلها مرادفات لتجليات التماهي بين الماضي والحاضر، الماضي الذي يتملاه ارث زاخر يزحف باذن الشاعر إلى رقصات متقطعة ويحاصر اصابعه العشرة في عنكبوتية المشاعر وتوزعها وانسحاقها في فضاءات معولمة تكرس لاغتراب مركب. اما دلالة الشعار الذاعق فهي تكلل خطوات قصيدة النثر نحو الاستفادة القصوى من كافة الاغراض الشعرية بنكهة غير مسبوقة تنفرط من كل عقد لتعيد نظم شعائرها بطقوسيتها الخاصة، ولا يعبأ الشاعر بالكثير من المواضعات الأشد بؤسا التي صاحبت شيوع نمطه الشعري النثري وسوف نجده يرفع اكثر من لافتة للعصيان بين شعائرية وغنائية وتركيبية، حتي يصل إلى أقصي توتراته في الشعار السياسي الزاعق الذي لا اعرف إلى أي طريق سيأخذ صاحبه، لكنه علي أية حال لا يبدو غرا، وسيجره شيطان شعره إلى حيث اثمه الخاص، ساعتها يمكننا ان نتحدث عن شعرية نثرية عربية صعدت من تحت اقدام الخطيئة في ارض جيراننا... ارض الاخوة الإنسانية التي يحاول الشعر ان يعتقها من عبوديتها. يحاول الشعر ان يقيلها من عثرتها، ومن هنا يتملى الشاعر قوسه قبل ان يطلق رصاصته الاولى... نحو فضاءات الشعر الأكثر حرية، والأكثر عدالة والأكثر محبة... مُذكرا بأن الحقيقة دائما اكثر إيلاما.. وان سوق المعاني تكتظ بهذه الكلمة الغائمة التي لن يستطيع اصطيادها سوى الشاعر الأمهر الذي صوب يوما ما بقلمه اخطاء الشعر واخطاء الشاعر، ومن يومها احتفت الموهبة بالكثير من جلال الفوضى بقدر احتفائها بالكثير بجلال النظام
.

قراءة ديوان «ولي فيها عناكب أحـرى»

أرشيــف

 

 

ولي فيها عناكب أخرى

جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات

مقـــــــالات

تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

موقـع محمد أسليـــم - تاريخ الإنشاء: 27 ينايـر 2002.