جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات

مقـــــــالات

تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

طـه عدنـان

tahaadnan@hotmail.com

طه عدنان

الصحراء عند بول بوولز: عنف الذاكرة ومراوغة الخيال

   

لا أعرف لماذا اختارت دار غاليمار الفرنسية "شاي في الصحراء" عنوان الجزء الأول من رواية بول بوولز "السماء الواقية" الصادرة عام 1946 ليصير عنوانا للرواية ككل؟ فالعنوان الأصلي للرواية الأولي لهذا الكاتب الأمريكي يبدو أكثر شعرية. "السماء الواقية". هناك حيث لا تستطيع الاحتماء بشيء غير السماء. السماء ذاتها التي تمطر بالشمس وفائض اللهب. فهل هي لفظة الصحراء التي مارست سحرها علي الناشر الفرنسي باعتبارها أكثر إغراء وإخلاصا لغرائبية بوولز نفسه؟
لكن عن أي صحراء كان بول بوولز يتحدث في هذه الرواية؟ عن صحراء غرداية الجزائرية التي استدرجت بورت وزوجته كيت في الجزء الأخير من هذه الثلاثية؟ صحراء زاكورة وأكدز كما في فيلم بيرتولوتشي؟ أم صحراء متخيّلة لا وجود لها في الواقع؟
في حوار له مع ياسين عدنان، نشر في بداية التسعينات بصحيفة "القدس العربي"، سأل ياسين بوولز: أحس أن صحراءك غير واقعية.. بل كل جغرافياتك تبدو متخيلة، ليجيبه بوولز قائلا: لا ليست متخيّلة، بل متذكّرة.
لكن هل الذاكرة محايدة؟ فالتذكر هو الالتقاط الواعي لحدث ماض. ولأن الوعي إنساني بالضرورة، فالذاكرة تصبح إنسانية مثل العاطفة تقريبا. كالقلب تحب وتكره. تحضن بحدب وتنفر بعنف. الذاكرة التي استعاد بها بوولز صحراء "السماء الواقية" ليست بالتأكيد ذات الذاكرة التي سنستعيد بها فضاء زاكورة بعد أن نقفل راجعين من هذا الملتقي.

زاكورة فضاء صحراوي بالتأكيد. لكنه ليس شرسا ولا عنيفا. ونحن هنا لسنا مسجونين كما حدث مع بطلة السماء الواقية في حريم بلقاسم الشاب التواركي السامق. لقد جئنا إلي الصحراء باعتبارها مكانا مأهولا فيه أناس مثلنا نفهمهم ويفهموننا. ليس مثل بوولز الذي سبق وصرّح بأنه ينشدّ إلي المكان أكثر من انشداده إلي ساكنيه. ساكنوه الذين يصورهم علي هيئة أقوام شبه بدائيين. ولا مثل بورت وكيت الذين قصدا الصحراء في الأصل هربا من صحراء الداخل. لذا فأية إعادة إنتاج من طرفنا للفضاء الصحراوي حتي ولو كانت من خلال بطائق بريدية عجولة لن تكون مشحونة بأي عنف. في حين أن العنف كان سيد الذاكرة سواء في رواية بوولز أو فيلم بيرتولوتشي.
فالفيلم يبدأ بحذر غير مفهوم تماما من جورج تونور رفيق بورت وكيت في رحلة التيه. تونور الذي كان يَعُدّ الحقائب خوفا من أن يسرقها الأطفال الذين ما حملوها إلا امتثالاً لأوامره. هذا الحذر غير المبرّر سيكتسب مشروعية ما عندما ستحاول المومس سرقة حافظة نقود بورت. فهل لهكذا تركيز خلال الفيلم علي هذه النقطة من علاقة بما تعرض له مخرجه الذي سرقوا له حقيبة تضم الكثير من عناصر العمل السينمائي من أمام فندق المنزه بطنجة قبل بدء التصوير؟
نتحدث أحيانا في الأدب عن عنف المتخيل. لكن مع بوولز يمكن الحديث عن عنف الذاكرة. الذاكرة بما هي مستودع تخييلي غير محايد. بل هي في رواية بوولز حافلة بالرموز والكليشيهات التي توحي بعقم الصحراء، ببدائيتها وبهمجيتها. حتي يصير الغربي القادم، بمحض اختياره إلي هذا الفضاء، ضحية دونما اعتداء من أحد. فما هي الصحراء بالنسبة لبوولز؟ وأي صحراء استوحاها برتولوتشي من بوولز؟ ماذا بقي من الصحراء غير الشساعة الفادحة المرهقة للروح وللأعصاب؟ أشخاص يندلعون من حين لآخر كحرائق لم تذق قطّ طعم الماء. والذباب.. ذباب كثيف لا يبرره شيء في الرواية والشريط غير العنف. ذباب احتاج برتولوتشي إلي استيراده من إيطاليا إمعانا في الطنين. ولذلك فهو ليس كذباب المنطقة الذي يعرفه الزاكوريون جيدا والذي رغم الإزعاج الذي قد يسببه لهم يبقي مقترنا بالخير وبموسم جني التمور.
ثم ما علاقة الصحراء ذات الوطأة الشديدة التي نكابدها في الرواية بذلك الفضاء النقي البريء الذي كان يداعب أحلام الزوجين الأمريكيين قبل بداية الرحلة؟ هل الخلل فعلا في الصحراء أم في بوولز وشخوصه؟ شخصيات مدمّرة من الداخل جاءت لتضمّد جراح أرواحها. كمرضي يطلبون النقاهة في فضاء نقي. والصحراء كان يمكن أن توفر لهم بغيتهم لو فقط كان تصورهم عنها واقعيا. لكن يبدو أنهم كانوا يبحثون عن صحراء أخري من وحي استيهاماتهم. بورت وزوجته كانا يبحثان عن صحراء علي مقاسهم. صحراء مروّضة. وهو ما لم يكن متاحا في الواقع
.

الصحراء التي اختارها بوولز ملاذا لشخوصه هي عنوان للتيه والخوف. الخوف الذي قال عنه سنة 1987 في تصريح لجريدة "ليبراسيون" بأنه يري فيه جوهر وعي العالم. "هذا الجوهر الذي قد يكون الفرح عند آخرين. أنا لا أعرف الفرح. يقول بوولز. بلي أعرفه، لكن ليس عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن شيء. الخوف قادم من طفولتي". الكتابة لدي بوولز هي بهذا المعني نوع من تجسيد الخوف الباطن رغبةً في الخلاص منه. والتيه الذي توحي به الصحراء لا يضاهيه سوي التيه الداخلي الأكبر عند صاحب "شاي في الصحراء". تماما كما عند بورت وكيت. ثم أوليس بورت، هذا الملحن الموسيقي المتنكر لفنه، هو بوولز عينه وكيت ليست سوي جين رفيقة عمره؟ وعندما يضرب بورت وكيت في رمل الصحراء دونما هدف واضح ألم يكن هدفهما الوحيد أن تمتص الصحراء فتورهما الداخلي أو علي الأقل تؤجل لحظة الفراغ إلي حين؟

شاعر من المغرب

قدمت هذه المداخلة خلال ندوة "الصحراء في المتخيّل الروائي لبول بوولز" المنعقدة في إطار الملتقي الدولي الأول للفيلم عبر الصحراء بزاكورة

قراءة مادة أخرى لطـه عدنـــان

أرشيــف

قراءة ديـوان «ولي فيها عناكب أخرى» لطع عدنــان

 

 

 

بول باولـز

جماليـــات

إضــــــاءات

حــوارات

مقـــــــالات

تر جمــات دراســـات نصــوص سرديــة بطاقـة تعريـف   
للاتصـــــــال خدمــــــــات

خــــــاص

مواقع مفضلـة مواقع صديقة مكتبات الموقع كشك الموقـع موارد نصيــة

 

موقـع محمد أسليـــم - تاريخ الإنشاء: 27 ينايـر 2002.