|
(بنادول)
تُعلِّبُ الشِّعْرَ كأقراص الـ "بنادول"، تتجرّعه كل عددٍ من
الساعات، ليخدِّر من صُداع روحها، يدها باردة.. تحتاجه الآن.. كيف
تُعلِّب أمان دفء يده في الغياب؟!
(ذات
أربعاء)
أعادت
تشغيل موسيقى (فاطمة).. مرة أخرى..أمسكت ديوان شعرٍ، أغرتها قصيدة
بعنوان .."قل ما تشاء"... أن تفعل..
لاح
أملٌ.. ابتسمتْ.. شقَّت فمها.. أعادت إغلاقه مرة أخرى...
لم تجد
ما تقوله.. من سرق صوتها؟!
(تطفٌّل؟)
حمقاء
بلا شك، بأنفاسها التي كانت تتسابق مع عجلات السيارة البيضاء
المجنونة خلفها والتي لم تكن تَنْوي على خيرٍ مطلقاً، ويديها اللتين
كشرطي مرور في ساعة الظهيرة تحذرانه قط المزابل ذلك بشعره المتسخ
وذيله المرفوع كالألف، والذي خاف من خوفها عليه ومن تحذيراتها ليركض
إلى أحضان العجلات المجنونة غير عابئٍ بلون دمه الذي سيملأ يومها
بالبكاء عليه وبشعور التَّطفُّل!
(إنْترفيو)
أكبر من حقيبة يد أنثوية عادية كانت تحمل على كتفها، وضعتها الأرض،
ضمّت ساقيها المرتجفتين، واحتضنت يديها في حجرها بعد أن أعادت خصلة
من شعرها وراء أذنها اليمنى، حين كان ينظر إليها من أسفل نظارته
تارة، ومن فوقها تارة أخرى، أخرج كتاباً من درج مكتبه الأول، وقال
لها اقرئي بصوت عالٍ وإياكِ والتَّسكين..!
رَمَشتْ
مرتين .. تلعثمتْ.. بلعتْ ريقها.. مُرّاً كان ، تذكرتْ إعلان
التوظيف: "مطلوب سكرتيرة تجيد استخدام الكمبيوتر" .. تناولت الكتاب،
فتحت الصفحة المطلوبة، قرأت..تلعثمتْ.. نَهرَها أول مرة.. الثانية..
الثالثة شَخَطَ في وجهها.. تراقصتْ دمعةٌ في محجري عينيها، مدّت يدها
إلى حقيبتها، أخرجت كتاباً أصغر من الذي أعطاها إياه.. قدمته له..
حدّق في الكتاب واسم كاتبته أول مرة.. الثانية في ورقة طلب التوظيف..
الثالثة فيها.. وقال لها.. هي أنتِ؟!
(أمومة)
دخلتْ
مكتبنا واضعةً يدها على رأس بطنها المنتفخِ بالصراخ المؤجَّل
والمملوء بالمُستهلِك اللاحق لفوط البامبرز، متشنّجةً غيظاً: "كاد أن
يُجنّني..! إن صاح أصيح بابنتي اتركيه.. أنا سأحمله، وإن لم تذعن
لأوامري أصيح بصوتٍ أعلى .. احمليه برفق.. إياكِ أن يقع من بين يديك،
لم نفرح بقدومه بعد! .. وإن جاع أركض لأجله، حتى يبقى بكامل نشاطه،
وويلي إن غاب عن عيني أموت رعباً .. خشيتُ من أولادي عليه.. لم نفرح
بقدومه بعد.. والله ما فَرِحنا!" دار رأسي، واستقرّتْ عيناي على
بطنها المدوّرة بشهرها الثامن: "يا امرأة لم تلدي بعد.. متى حدث كل
هذا؟! عن من تتحدثين؟!" نظرت إليّ وصاحت صياح أمٍ مكلومة: بالأمس ..
بِعتُ موبايلي.. جنّني .. والله ما فرحنا به بعد..!
همهمة
بريئة
طبولُ
حربٍ تضرب قلبها، رفعت عينيها سنتيمتر واحد أو اثنين بلا مبالاة
-مُقنِعة, للأعلى صوب الواقِف حيث الباب، وقالت بصوتٍ باردٍ:
-كم
أكرهك... ما الذي أعادك!؟
ارتدى
وجهه الشحوب، تربَّع الخوف في عينيه.. تشنّجت أصابع يده أثناء محاولة
تصديق ما تقول، وبما كان عليه أن يُبرِّر.. بينما حاول عاموده
الفقاري الانتصاب مدافعاً عن نفسه شارحاً أسباب الغياب، لكن سرعان ما
أَعْلى راية إخفاقه، وأجهض أمله وحاجته بزرع رأسه في حضنها والبكاء،
حين أكملت...
-عد من
حيث أتيت...
مثقلة
خطواته بـ (عد من حيث أتيت...)، وما زال رأسه يلفُّ ويلفّ، أثناء
بكائه صحراء حضنها.
.
..
عجباً
كيف لم
يفهم أن ما قالته كان فقط همهمةً بريئةً، صادرةً عن عَطْشى وَجَدتْ
–أخيراً- عَين الماء..!!؟
براءة
رقص ليتني إحدى تلك الخِراف..!
حقلٌ
بلّوري أزرق هي السماء اليوم، تتبختر فيها بدلالٍ خرافٌ سمينة ناصعة
البياض، جرّاء مُسايرةِ الهواء الرقيق لها..
- لي
رغبة بالرقص في وسط الشارع..!
- ...
-
هاها.. ليس
عيباً، أن أطلق يديّ للفضاء، وألفّ ألفّ حول ذاتي على رؤوس أصابعي،
وحول كل الأطفال الذاهبين للمدرسة.. سأسرق طوق شعر تلك الفتاة..
غبيةٌ أمها..لماذا منعت الهواء من إعادة تسريح شعرها كما يشتهي؟!..
وأباغت ذلك الطفل وآخذ سندويش الزعتر منه وأوهمه أنني أستطيع
التهامها بقضمة واحدة، وأنتشل ذلك الصبي وأخته من سيارة والدهما
وأقول لهما: "دعونا نركض" وأركض.. أركض ..أركض، سأجعلهم جميعاً
يركضون خلفي ..مع خراف السماء ...
- ...!
-
أريد أن
أغرق رقصاً وركضاً مع براءة الأطفال بزرقة السماء حتى يتشابك ركضُنا
برقصِنا، ورقصُنا بركضِنا...
- ...!!
-
أفففف..
باص العمل وصل.. قبل أن أسرق طوق الفتاة، وسندويش الزعتر، وانتشل
الطفلين الآخرين.. خِراف السماء أرجوكِ ابقِ كما أنتِ..لأجلي، سنرقص
جميعاً غداً صباحاً.. لن أطرح أسئلة كثيرة ولن أفكر.. أعدك لن أفكر..
سنرقص مباشرة.. سنرقص ونركض حتى يتشابك ركضُنا برقصِنا، ورقصُنا
بركضِنا
- ...!!!
ثمنها..!
جالسٌ
هو في مكتبه و أمامه بعض الأطباق الصغيرة التي تحوي مختلف أنواع
الحَب، كان يخلطها بدقةٍ وعناية حسب ما هو مكتوبٌ في كتابه (كيف
تعتني بطائرك المنزلي؟)
طائره الجميل كان محور حياته، كان يحبه حد التعلق، يهتم به أيما
اهتمام حتى أنه اشترى في المبلغ الذي ادخره على مدار سنين عمل طوال
قفصاً ذهبياً أسكنه إياه..
علت ملامحه التي اعتادت السكون ابتسامة صادقة حين تذكر كيف تعرف إلى
طائره الذي انتزعه بحنان من براثن إنطوائيته المفجعة..
كان يتناول إفطاره كالعادة وحده أمام النافذة، سلب انتباهه طائر كان
يرفرف بقربها، وبحركة لا إرادية، حوَّل قسماً من رغيف خبزه إلى فتاتٍ
ووضعه حافة النافذة، فاستقر الطائر بدوره عليها وأخذ يلتقط منها.
بعدها بدأ بترتيب ريشه بمنقاره الرشيق إلى أن انتهى به الأمر يشدوا
ألحانا رقراقة...
تناقضات في روحه ولُّدت دمعتين صادقتين: الأولى فرحة بالطائر وأخرى
بسبب مرارة وحدته. فقد كان حاله على نقيض الطائر الذي كان قوياً
معتداً بنفسه مغروراً لا يقيم لشيءٍ وزاناً.
-ما
الذي أسقط دمعك؟!
-أنت
أيها الشادي.
-أنا ..
كيف..؟!
-لحظات
مراقبتي لك أنعشت روحي التي أوشكت أن تختنق... ليتك تبقى معي ...
-أبقى معك وما المانع ...
-وحريتك
؟!!
-أي
حرية ؟! سوف نعقد اتفاقاً
...
كان هذا
منذ السنة تقريباً، لقد أصبح هذا الطائر روحه الذي يحيى بها وجناحيه
اللذين يطير مستهزئاً بهما فوق انطوائيته التي كانت
...
و لكن
ماذا حل به الآن؟! ما الذي بدل حاله؟! لماذا يسيطر لحن الحزن على
شدوه والذي بدأ يخفت يوماً بعد يوم؟! أم أن انتطوائيته انتقلت
للطائر؟!
سأله مرارا و تكراراً ما بك؟
كابَر..
كابَر الأخير.. إلى أن نطق أخيراً : حريتي ... أريد حريتي...
-الآن
تقول حرية ؟! بعد أن اعتدتُ عليك ... بعد أن أنفقتُ كل ما أملك في
سبيل قفصك الذهبي ؟!
-اعذرني
يا رفيقي لم أكن أتصور أنها كذلك .. لم أكن أعلم
- ماؤك
معقم، حب طعامك منوَّع، عشك دافئ، ولا عدو يتربص بك.. ألم يكن هذا
رأيك في الحرية؟! لم أفرض عليك شيئاً حين تعرفتُ إليك، أنت وافقت على
الإقامة وأنا لبَّيت كل طلباتك... أليست هي الحرية؟! ألم يكن هذا
اتفاقك؟!
-كنتُ
مخطئاً
- قلت
بأنك تتعب من طيرانك بحثاً عن ظلٍ آمِن... خلف قشة تدعم بها عشك...
شربة ماء تروي ظمأك ... حبة تسد جوعك ... ألم تقل بأن حريتك بتوفير
الظل.. الماء..الحَب.. وعش لا تهدمه هبة ريح، أو عَبث طفل فيه؟!
-نعم
قلت ذلك ..
-ما
الذي تغير؟!
-خلق
الله لكل كائن طبيعة... طبيعتي الطيران خلف القشة، الماء ،الحبة
،الظل... هي طبيعتي...فطرتي... ظننت بتوفير كل هذا دون تعب هو
الحرية، فإذا بها نفي النفس عن النفس، اعتزال الروح عن الجسد.
أطلقني، من قفصك الذهبي فإني اشتقت لعطش وجوع الحرية اللذان يسقيان
ويطعمان الروح... أطلقني فإني اشتقت للشجرة التي تحتفي بأنها ظللتني
حين تعبت والتي تمنحني أغصانها لأبني عشي، أطلقني لمداعبة وغناء أشعة
الشمس لي في الصباح أن أفق و اشدو احتفالاً بحريتك، أطلقني فما عدت
أطيق قيدك الذهبي...
صمت مطولاً .. عادت الدمعتان إلى المحجرين وهو يهدي للطائر حريته و
يعيد لنفسه انطوائيتها ... و قال لربما هي فطرتي كما الطيران فطرة
رفيقي الطائر...
شرشفٌ أبيض..!
إلى
روحك الطاهرة في عليائها "الأديب والمترجم سرحان الغول" أمقت زيارة
المشافي، ربما لا أكرهها هي بذاتها ولا برائحة معقماتها النفاذة التي
تحفِّز صدري للسعال، ولا لصورتي المنعكسة عن رخام أرضياتها المصقولة
جيداً والتي تؤكد لي إحساسي بأن خطأ ما هناك في وجهي، لم أجده بعد..!
ولا أكرهها لأجل وجباتها كثيرة العلب، معتدلة السخونة، قليلة الملح،
والتي تذكرني بالمَثَل الذي تردده أمي حين تتذوق (طبيخ دِلِعْ)
:"سيدة البيت البخيلة، أكلها –دائماً- ينقصه الملح"، ولا لأنني بعد
إحدى الزيارات رمى بِيَ "بَخْتي" لمساعدة فتاة سمراء تتلألأ في وجهها
عينان سوداوان واسعتان، الكُحل فيهما بذخٌ زائد. "عيناكِ جميلتان"
هذا ما قلت لها حين ،أغمضتُ يدي على بعض المال ودسسته في كفها
المتشقق برداً، مسكينة، البرد يقصُّ المِسمار في ذلك الوقت من السنة،
انفرجت عيناها أكثر حال ملامسة يدها لورقة النقود وأخذ فمها يقذف
كلمات عن المستقبل مصفوفة بعضها خلف بعض بسرعة رهيبة، اللئيمة،
تحفظها بمهارةٍ عن ظهر قلب!! وهذا يعني أنها تتبصّر المستقبل لا
محتاجة، وأن يدها ليست متشققة برداً بسبب الحاجة، بل لأن ظروف عملها
–التّبصير- ليس موافقاً لقوانين العمل الذي حددته وزارة العمل
والعمّال!! فررتُ منها لأقع بين أنياب أمها التي لحقت بي، فكنتُ كمن
هرب من بين يديّ قبّاض الأرواح ليقع بين فكيّ عزرائيل، أو كالمتضايق
من رذاذ المطر فلا يجد مكاناً يجلس فيه سوى تحت دلفِ المِزراب..!!
المشكلة أن الأم التي لا أذكر من شكلها الآن إلا الوشم الذي يخضّر
جبينها بشكل غير قابل للنسيان، لم تكشف لي عن مستقبل أيامي، بل قذفت
بوجهي ذات الكلمات التي أحْفَظَتها لابنتها، وفوق ذلك كشفت لي عن
امتداد سذاجتي حين أخذتْ راتبي الذي لم أمسُّ منه إلا بعض الدنانير،
فأطلقتُ العنان لساقي مبتعدةً عنها ..مرتجفة.. خائفة منها، لا بل من
الجِنّيْ رفيقها، الذي تسلل لكفي الأيمن وأرسل الخيط فيه بعد أن
ضممته عليه معقوداً عدة عقد..!!
كيف
تسلل الجنيُّ إلى كفي وقد صلّيتُ على النبي –كما طلب مني- سبع
مراتٍ.. لا أعرف بالضبط فلا يسألني أحد..!!
لم أكره
المشافي لكل ذلك، بل كرهتها بعد ذلك كله..!!
***
حتى سني
المشقوق طرفه والذي أحرص على إخفائه ما استطعتُ إلى ذلك طريقاً، ظهر
حين ابتسمت مُغالِبة اللهاث جراء صعودي للطابق الرابع. صافحتُ عدنان
بحميمية ظاهرة وجلستُ بعدها على السرير الشاغر الذي يقع على يسار
سريره، كان مبتسماً نشيطاً، بل عظيماً يكابرُ ما به، أدركت مدى ذلك
حين أرسل لي قبل زيارتي له بيوم واحد رسالة قصيرة عبر هاتفي النقال
يقول فيها:"حين تشعرين بالألم من مشكلة عظيمة، لا ترفعي يديك إلى
الله وتقولي له، يا إلهي عندي مشكلة عظيمة، بل قولي.. هاه مشكلة،
عندي إله عظيم..!!"
وما أن
هدأت أنفاسي جراء صعودي الدرج الذي خلته لن ينتهي، كنت قد شربت علبة
العصير التي قدّمها إليّ، دون تردد، وبعد الاطمئنان عن وضعه الصحي،
شرعنا في الحديث عن رواية "العِطر"، وقاتِلها البريء الشذي "غرونوي"،
واتفقنا أننا سوف نتحدث عنها مطولاً بعد خروجه من المستشفى، وبعد ذلك
تصفحتُ الكتابَ الذي كان يقرأه:
- أخي
عدنان، هذا بالإنجليزية.. وأنا إمكانياتي الإنجليزية "رغيف وبيضة...
إذا ما كان الرغيف لحاله"
-
هاهاها
تمنّيت
لو أن لي مقدرته على الأقل في قراءة الروائع بلغتها الأصلية، لا
قراءة ترجمة "عبيطة" عن ترجمة "أعبط" في الغالب..
وبحركة
لا إرادية بحثتُ عن مصدر السعال الذي تجلجل فجأة عن الجهة المقابلة
لسريره ومكان جلوسي، لكني تجمدت من مشهد آخر، تكتوي نفسي إن رأيته
على شاشة التلفاز..!!
ويلي...لن أتحدث بهذا مع عدنان..!!
أسميته
"محمد"، طويل القامة أو على الأقل ذلك ما كان يبدو عليه، أسمر الوجه،
ومدخن من الطراز الأول، ملفوفاً بقماطة بيضاء تشبه القماطة التي
قمَّطته بها أمه قبل أربعين سنة يوم مولده، سوى أن رأسه الآن قُمِّط
أيضاً، وكأن النهايات تتوق لتفاصيل بداياتها فكانت قماطة الرضيع
ذاتها سوى أن قماط الرأس أُضيف، لتصبح كفناً..!!
هدأتُ
لحظات، كهدوء موته، والتقت نظراتي بنظرات عدنان وزوجته التي كانت قد
وصلت في موعدها اليومي منذ دخوله المشفى، لم أنبس ببنت شفه حول
"محمد" وتفاصيل موته، وهما كذلك، إلا إن التفاصيل بدأت تتسرب إليّ من
عيني عدنان دون صوته، أخبرتني أنه يعمل محاسباً لدى شركة بسيطة،
ويصارع قدره المحتوم منذ أشهر بالمشفى، وأن له روحاً مرحة، من سيهرّب
إليّ بعض السجائر التي مُنعنا عنها بالجُملة الآن والتي يحصل عليها
هو من "سِوار" التي تدرك الحقيقة كاملةً..؟!
مساكين
نحن أم حمقى؟ حتى إن أردنا البكاء نحتاج إلى مسوّغ..!
وهل
هناك مسوغ آمِن لا يثير الشكوك أكثر من الضحك؟! بدأت التحرش
بالضحك.. الضحك قهقهةً حتى الوقوع في البكاء..!! الأطفال، نبع الضحك
الصافي المُقَهْقِه.. لذلك تحرشت بما فعله طفل أختي المشاغب لأضحك
ونضحك جميعاً.. ضحكنا وقهقهتُ حتى بكيتُ
..!!
اضحك
أكثر تبكي بخوف أقل من الأعين الفضولية!! الأطباء الحمقى.. كيف
يتركونه هكذا بين المرضى ملفوفاً بقماطته، نذير شؤم يومهم التعس؟!
كيف يتحول المريض من إنسان يُرجى شفاؤه إلى نذير شؤم بلحظات، وجناح
عزرائيل المرفرف في المكان..!!
أجابتني
عينيّ عدنان مجدداً ، أنها لا تمتلك إجابات عن تساؤلاتي الطازجة
والمطروقة سابقاً منذ آلاف السنين، قهقه عدنان عالياً ليجد هو الآخر
مسوغاً لبكاءٍ مملحٍ بالضحك...
يا إلهي
.. عليّ أن أغادر سريعاً قبل أن تأتي "سِوار".. زوجته المسكينة ممسكة
بيد أمه العجوز وكأنها عصاها التي ترتكز عليها متجنِّبة بها ما
استطاعت خذلان ساقيها، وقبل بدء بكاء النواح، بمسوغ الموت.. ستبكي
"سِوار" على صدره، وربما أمه تشق جيب ثوبها.. على عامود البيت وسنده
الذي تهاوى قبل أوانه، وبعد ذلك تحمل "سوار" بيدها حذاء الرياضة
خاصته الموجود تحت السرير، وتطمئنه أنه لن يهينه استخداماً بعد ذلك...
حملتُ
حقيبتي سلمت على عدنان وزوجته البشوشة، شرعت بالمغادرة، هرباً من
لقاء "سِوار" وأمه.. لولا استوقفني زعيق الهاتف الموصول جانب سريره..
يا إلهي .. "سوار" تريد أن تخبره أنها اضطرت للتأخر.. تجمدتُ مكاني
لحظة، نظرتُ إلى عدنان الذي أخبرتني عيناه أنني لا أملك شيئاً لأفعله
لقد حلّق حلّق بعيداً..كنت سوف أصيح بصوت بُحّ بكاءً ...أقصد ضحكاً
" سوار"،
أرجوكِ... صعد سلالم السماء وغادر إلى الله.. اتركيه بسلام.. اتركوه
.. اتركوه
..
لولا
أنه تمطّى في فراشه فجأة وأشاح الشرشف الأبيض عن رأسه وفمه المتثائِب
وبيدٍ دافئة أمسك سماعة الهاتف:
ألو،
سِوار لماذا تأخرتِ أنتظرك منذ ساعة..!!
انتظــار...!
برغم
شعورها أن ثقب ذاكرتها قد اتّسع في الأيام الأخيرة حتى بدأ يسقط منه
بسهولة ودون اعتراض من أحد أو شيء، تواريخ الأيام وأسماؤها وبدأت
تنشف الكلمات التي كانت على رأس لسانها فجأة أثناء حديثها مع الآخرين
فتسعفها من الحرج كركرة ضحكتها وإصبعها الذي يتسلل نحو فروة رأسها
ويحكّها حتى تُمرِّر خصلات شعرها كلماتٍ أخرى تفي بالغرض، غير أنها
لم تكن تخاف حدوث أي شيء من هذا وقتها، لأنه لا يمكنها نسيان أي خطوة
مَشَياها معاً وأي كلمة قالاها ... كانت في طريقها لذلك المكان الذي
جمعهما مرة، وآخر ما كانت تتمناه أن يكون سائق التاكسي الذي أوصِلها
من مُصدَّري الكلام ومُوزِّعيه.. أخبرها أنها تركب معه للمرة الثالثة
وأن له ذاكرة "بنت الـ 14"، وليقنعها بذلك أخبرها بأي منطقة يقع
منزلها، وأقسم عليها أن تقول الحقيقة إن كانت تسكن هناك، فعلت
بابتسامةٍ موافِقةً إياه ورفعتْ فوق القَسَمِ قَسَماً آخر تقنعه أنها
لا تتذكر إنها ركبت معه!
أنقذها
الله بعد عشرة دقائق مريعة حين أوصلها صاحب الفم الكبير ولم يخطر
ببالها أن تسأله سبب لَطْشِه عشرة قروش زيادة عما قاله مؤشّر
العدّاد، إلى ذلك المجمّع التجاري الضخم، انفتح الباب أمامها وحده
وكأنه يؤدي لها تحيات الترحيب فأحنَتْ رأسها الصغير ممتنةً، وكان أول
ما رأت واجهة السكاكر والشوكولا بألوانها اللامعة وأحجامها وأشكالها
المختلفة ونكهاتها المتعددة...مرّت بجانبها سريعاً معارِضةً رغبتها
بملأ حقيبة يدها وجيوب تنورتها "بشوكولا اللّوز" المفضل لها... مرّت
بجانبها سريعاً محاوِلةً إخفاء ابتسامتها متذكِّرةً إنها حين كانت
معه كادتْ أن تضع كفّها بكفّه وأن تشد بكفها الآخر ذراعه وتهمس له:
"احضر لي .. أريد من هذه.. وهذه.." غير أنها تراجعتْ ففكرة تناولها
الشوكولا وهو ينظر إليها لم تكن بالمقبولة لديها أبداً.. كم كانت
تتمنى لو أنه لا يمقت الحلويات والشوكولا إلى هذا الحد .. على الأقل
"شوكولا اللّوز"
!
وضعتْ
قدمها على أولى درجات السّلم المتحرك، كان طيفه حاضراً، تسرّبت إليها
دفء يده وطول قامته وبهاء حضوره كانا واقفين على ذات الدرجة، السلم
يصعد بهما للأعلى وروحها ترفرف حاملةً طوق قرنفل وياسمين فوق رأسيهما
مع ملائكة المحبة والجمال، كانت ما تزال تشعر بحنان يده وهي جالسة
إلى نفس الطاولة التي جلسا إليها وكأنها تنتظرها.. احتست القهوة مع
طيفه حتى كأنها سمعته يُعيد عليها بصوته الرخيم الواثق: "اشتقتُ
إليكِ كثيراً جنّيتي الصغيرة..." لم تكن قلقة على الموعد الذي ضربته
مع الرسّام الذي سوف يسلّمها اللوحة لأنه يلتصق يومياً هو وحامل
لوحاته منذ الصباح وحتى منتصف الليل بأحد أركان الطابق الثالث
والمُخصص أصلاً للمطاعم والمقاهي، كان اختياره ذكياً فهو أكثر
الطوابق ارتياداً على الإطلاق في كل الأوقات... كانا قد سارا إلى
ركنه يومها وراقباه كيف يرسم.. يعلِّق الرسّام الصورة المُراد رسمها
على الحافة اليمنى للحامِل وبيده اليسرى يحمل قلمه الفحمي ويرسم على
اللوحة التي تتربع بغنجٍ على منتصف الحامِل.. وضع كفّه على كتفها
واقترب منها وهمس في أذنها :"تثيرني الظلال والخطوط.. انظري كيف
سيظلل الأرضية كاملة.. وبعدها سيبدأ بالخطوط العريضة إنها تُبرزُ
الرسمة وتحدّدها... ستبدأ وكأنها طلاسم سرعان ما تنتهي بملكةٍ
متوّجةٍ تتمنى أن ينفخ الله فيها روح الحياة ... ليتني مكانه ولي
يُسراه أرسمكِ بها؟!"
وقتها
قفزتْ الفكرةُ إلى رأسها، أن تطلب من الرسام رسم صورتها، وتهديها
إليه... واليوم هو موعد التسليم..!!
سارت
نحو ركن الرسام بهدوء... ساعتها تشير إلى الثانية والنصف، وهذا يعني
وقت الغداء، لذلك يعجُّ المكان بالناس، معظم الطاولات شاغرة وكذلك
معظم الأطفال يتراكضون وأمهاتهم يتوعّدنهم بشديد العقاب إن لم يعودوا
سريعاً... كانت المفاجأة أن الرسّام ليس بمحله، وحامل لوحاته أجردٌ
من اللوحات وكرسيه يكابدُ الوحدة..!
- يا
سلام... يا مستعجل قِف لأقل لك...!!
هذا ما
همستْ به لنفسها، وكمحاولة بائسة منها في الحيلولة دون الركوع تحت
قدمي الانتظار المُحرقتين أمسكت بهاتفها النّقال وهاتَفت الرسام الذي
أخبرها صوته أنه سيتأخر ساعة، قال ذلك حتى دون أن يعتذر. أدارت ظهرها
للانتظار ولم تركع.. جلست إلى إحدى الطاولات، وأخرجت كتاباً تقرأه..
تمرُّ الدقائق بطيئة جعلتْ كركرات الأطفال تتحول إلى خَبيط تخبط
أعصاب رأسها وصوت أمهاتهم زعيقاً لا يُحتمل، وتُضايقها رائحة الطعام،
وتذكرها بأنها دون إفطار... تُبدِّد فكرة تناول وجبة وحدها، لا أحد
هنا يأكل وحده، وماذا لو أتى الرسّام ووجدها تلوك الطعام..؟! كان
خيارها الأوحد هو أن تضع رأسها في الكتاب التي تداخلت كلماته ببعضها
البعض وكأنها شياطين تعض بعضها بعضاً وتحاول التركيز فيما يقول،
علّلت كل ما يحدث أنها وحيدة بينما تركت طيف حبيبها في المقهى خوفاً
أن ينقل إليه خبر المفاجأة ولكي تكون المفاجأة مفاجأة عليها أن تقدّم
ساخنة بسريّة، رفعت رأسها عدة مرات تتفحّص عيناها مداخل القاعة.. لم
يأتِ الرسّام بعد، وفي كل مرة كانت تمسك ذلك الرجل الضخم كثيف
الحاجبين والشارب والذي يجلس إلى الطاولة المقابلة لطاولتها
مُتلبِّساً في النظر إلى ساقيها من تحت الطاولة ويتفحّص وجهها،
مستغلاً بذلك انشغال زوجته السمينة بِنَتش قطع الدجاج المقليّ،
نظراته كانت تثير في نفسها الغثيان... شعرت بلا جدوى مَطِّ تنّورتها
السّماوية للأسفل، فتعيد عينيها إلى صفحات الكتاب، بقي هذا حالها حتى
شبعت الزوجة السمينة أخيراً فمشت أمامه ولحقها وحين وصل حيث تجلس
مرّر يده على طاولتها قرب يدها، ماسّا كهربائياً سرى في جسدها جعلها
تتمنى لو أنها سحقتْ كفه..شتّان ما بين كفه البغيضة وكف حبيبها
الدافئة الحانية...
وقبل أن
تنفذ علبة صبرها وصل الرسام يحمل على كفته حقيبته السوداء العريضة..
وما أن وضعها الأرض كانت تقف فوق رأسه، حيّته بهدوء مُدّعيةً عدم
الانزعاج من تأخره، اللوحة بل المفاجأة نضجتْ، تهلّل وجهها حين تخيلت
وجه حبيبها فرِحاً بوجهها المرسوم كفرحة طفل كافأته أمه بحلوى
وقبلة..!
- دقيقة
من فضلكِ، أخرجُ لكِ اللوحة.. انظري إليها، إن شئتِ عدّلتُ لك عليها...
بعد
بحثٍ بين عدة لوحات، خرجت لوحةٌ لامرأةٍ جميلة لا تشبهها في شيء سوى
شعرها الناعم الطويل وأي تعديل لن يفيد في شيء..اللوحة ليست هي.. هذا
واضحٌ تماماً! وضعتْ يدها على فمها لتمنعه من قذف سيل الكلمات الحادة
التي كانت تتمنى إسماعها للرسام الدقيقة الحساسة يده (سابقاً)..
ونظرتْ إليه مرة.. وللوحة مرة أخرى.. والانتظار الذي رفضت الركوع تحت
قدميه وجدته منقلباً على بطنه من الضحك.. سلّمت الرسام نقوده.. تأبطت
اللوحة وخرجت بهدوء باتجاه المقهى حيث تركت طيف حبيبها وحيداً غير
خائفة منه أن يُفسد المفاجأة.. لكن المفاجأة الحقيقية كانت أن الطيف
سَرَحَتْ كفّه في شعرها وقال: "اشتقتُ إليكِ جنّيتي
الصغيرة...تأخّرتِ عليّ" وأكمل مشيراً إلى اللوحة: "جميلة.. لَيْتَها
لكِ. ..ألستِ معي أن شعر هذه السيدة يشبه شعرك..؟!
25/5/2004
الثلاثاء |